سورة العنكبوت - تفسير تفسير الألوسي

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
تفسير السورة  
الصفحة الرئيسية > القرآن الكريم > تفسير السورة   (العنكبوت)


        


{الم (1)}
{الم} سبق الكلام فيه وفي نظائره ولم يجوز بعضهم هنا ارتباط ما بعده به ارتباطًا أعرابيًا لأن الاستفهام مانع منه وبحث فيه بأن اللازم في الاستفهام تصدره في جملته وهو لا ينافي وقوع تلك الجملة خبرًا ونحوه كقولك: زيد هل قام أبوه؟ فلو قيل هنا المعنى المتلو عليك.


{أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2)}
{أَحَسِبَ الناس} إلى آخر السورة ثح فلا يقال أيضًا إن المانع منه عدم صحة ارتباطه بما قبله معنى. نعم الارتباط خلاف الظاهر، والاستفهام للإنكار، والحسبان مصدر كالغفران مما يتعلق ضامين الجمل لأنه من الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر وذلك للدلالة على وجه ثبوتها في الذهن أو في الخارج من كونا مظنة أو متيقنة فتقتضي مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر أو ما يسد مسدهما وقد سد مسدهما هنا على ما قاله الحوفي. وابن عطية. وأبو البقاء: قوله تعالى: {أَن يُتْرَكُواْ} وسد أن المصدرية الناصبة للعفل مع مدخولها مسد الجزأين مما قاله ابن مالك، ونقله عنه الدماميني في شرح التسهيل، وزعم بعضهم أن ذلك إنما هو في أن المفتوحة مشددة ومثقلة مع مدخولها، والترك هنا على ما ذكره الزمخشري عنى التصيير المتعدي لمفعولين كما في قوله تعالى: {وَتَرَكَهُمْ فِي ظلمات لاَّ يُبْصِرُونَ} [البقرة: 17] وقول الشاعر:
فتركته جزر السباع ينشنه *** يقضمن قلة رأسه والمعصم
فضمير الجمع نائب مفعول أول والمفعول الثاني متروك بدلالة الحال الآتية أي كما هم أو على ما هم عليه كما في قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ} [التوبة: 16] على ما قدره الزمخشري فيه وقوله سبحانه: {أَحَسِبَ الناس أَن} عنى لأن يقولوا متعلق بيتركوا على أنه غير مستقر، وقوله تعالى: {وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} في موضع الحال من ضمير يتركوا، ويجوز أن لا يعتبر كون المفعول الثاني ليتركوا متروكًا بل تجعل هذه الجملة الحالية سادة مسده، ألا ترى أنك لو قلت: علمت ضربي زيدًا قائمًا صح، على أن ترك ليس كأفعال القلوب في جميع الأحكام، بل القياس أن يجوز الاكتفاء فيه بالحال من غير نظر إلى أنه قائم مقام الثاني لأن قولك: تركته وهو جزر السباع كلام صحيح كما تقول أبقيته على هذه الحالة، وهو نظير سمعته يتحدث في أنه يتم بالحال بعده أو الوصف، وههنا زاد أنه يتم أيضًا بما يجري مجرى الخبر، وجوز أن تكون هذه الجملة هي المفعول الثاني لا سادة مسده وتوسط الواو بين المفعولين جائز كما في قوله:
وصيرني هواك وبي *** لحيني يضرب المثل
وقد نص شارح أبيات المفصل على أنه حكى عن الأخفش أنه كان يجوز كان زيد وأبوه قائم على نقصان كان وجعل الجملة خبرًا مع الواو تشبيهًا لخبر كان بالحال فمتى جاز في الخبر عنده فليجز في المفعول الثاني وهو كما نرى، واستظهر الطيبي كون الترك هنا متعديًا لواحد على أنه عنى التخلية وليس بذاك، وجوز الحوفي. وأبو البقاء أن يكون {أَن يَقُولُواْ} بدلًا من أن يتركوا وجوز أن يكون {أَن يُتْرَكُواْ} هو المفعول الأول لحسب و{هُمْ لاماناتهم يُفْتَنُونَ} في موضع الحال من الضمير {وَإِن يَقُولُواْ} بتقدير اللام هو المفعول الثاني، وكونه علة لا ينافي ذلك كما في قولك: حسبت ضربه للتأديب، والتقدير أحسب الناس تركهم غير مفتونين لقولهم: آمنا، والمفعول الثاني ليتركوا متروك بدلالة الحال، واعترضه صاحب التقريب بما حاصله أن الحسبان لتعلقه ضامين الجمل إذا أنكر يكون باعتبار المفعول الثاني، فإذا قلت: أحسبته قائمًا؟ فالمنكر حسبان قيامه، كذلك إذا قيل: أحسب الناس تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا أفاد إنكار حسبان أن الترك غير مفتونين لهذه العلة بل إنما هو لعلة أخرى ولا يلائم سبب النزول ولا مقصود الآية.
واختار أن يكون {أَن يُتْرَكُواْ} سادًا مسد المفعولين و{أَن يَقُولُواْ} علة للحسبان أي أحسبوا لقولهم آمنا أن يتركوا غير مفتونين، وأجيب أن أصل الكلام ألا يفتنون لقولهم آمنا على إنكار أن يكون سببًا لعدم الفتن، ثم قيل: أيتركون غير مفتونين لقولهم آمنا مبالغة في إنكار أن يبقوا من غير فتن لذلك ثم أدخل على حسبان الترك مبالغة على مبالغة، وإنما يرد ما أورد إذا لم يلاحظ أصل الكلام ويجعل مصب الإنكار الحسبان من أول الأمر.
وقيل: إنما يلزم ما ذكر لو لم يقدر أحسبوا تركهم غير مفتونين جرد قولهم: آمنا دون إخلاص وعمل صالح أما لو قدر ذلك استقام كما صرح به الزجاج، على أن ذلك مبني على اعتبار المفهوم، واعترض ذلك بعضهم من حيث اللفظ بأن فيه الفصل بين الحال وذيها بثاني مفعولي حسب وهو أجنبي؛ وأجيب بأن الفصل غير ممتنع بل الأحسن أن لا يقع فصل إلا إذا اعترض ما يوجبه، وههنا الاهتمام بشأن الخبر حسن التقديم لأن مصب الإنكار ذلك، ولا يخفى أنه يحتاج إلى مثل هذا الجواب على ما يقتضيه الظاهر من جعل {أَن يُتْرَكُواْ} في تأويل مصدر وقع مفعولًا أولًا {وَإِن يَقُولُواْ} في تأويل مصدر أيضًا مجرور بلام مقدرة والجار والمجرور في موقع المفعول الثاني، وأما على ما ذكره بعض المحققين من أنهما لم يجعلا كذلك وإنما جعل {أَن يَقُولُواْ} معمولًا ليتركوا بتقدير اللام وجعل {أَن يُتْرَكُواْ} سادًا مسد المفعولين واقتضى المعنى أن يقال أحسب الناس تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا بجعل تركهم مفعولًا أولًا ولقولهم مفعولًا ثانيًا فلا يحتاج إليه لأنه إن جرينا مع اللفظ كان {أَن يُتْرَكُواْ} سادًا مسد المفعولين فلا يكون فيه مفعول ثان فاصل بين الحال وذيها وإن جرينا مع المعنى واعتبرنا الكلام مجردًا عن أن المصدرية وجىء به كما سمعت كانت الحال متصلة بذيها، وقيل: يجوز أن يكون المفعول الأول لحسب محذوفًا أي أحسب الناس أنفسهم و{أَن يُتْرَكُواْ} في موضع المفعول الثاني على أنه في تأويل مصدر وهو في تأويل اسم المفعول أي متروكين وهم لا يفتنون في موضع الحال كما تقدم وأن يؤمنوا بتقدير لأن يؤمنوا متعلق بيتركوا فكأنه قيل: أحسب الناس أنفسهم متروكين غير مفتونين لقولهم آمنا، وقيل: إن هذا المعنى حاصل على تقدير سد {أَن يُتْرَكُواْ} مسد المفعولين فتأمل فيه وفيما قبله، ولعل الأبعد عن التكلف ما ذكرناه أولاف، والمراد إنكار حسبانهم أن يتركوا غير مفتونين جرد أن يقولوا آمنا واستبعاد له له وتحقيق أنه تعالى يمتحنهم شاق التكاليف كالمهاجرة والمجاهدة ورفض الشهوات ووظائف الطاعات وفنون المصائب في الأنفس والأموال ليتميز المخلص من المنافق والراسخ في الدين من المتزلزل فيه فيعامل كل بما يقتضيه ويجازيهم سبحانه بحسب مراتب أعمالهم فءن مجرد الإيمان وإن كان عن خلوص لا يقتضي غير الخلاص من الخلود في النار.
وذكر بعضهم أنه سبحانه لو أثاب المؤمن يوم القيامة من غير أن يفتنه في الدنيا لقال الكافر المعذب: ربي لو أنك كنت فتنته في الدنيا لكفر مثلي فإيمانه الذي تثيبه عليه مما لا يستحق الثواب له فبالفتنة يلجم الكافر عن مثل هذا القول ويعوض المؤمن بدلها ما يعوض بحيث يتمنى لو كانت فتنته أعظم مما كانت والآية على ما أخرج عبد بن حميد. وابن جرير. وابن المنذر. وابن أبي حاتم عن الشعبي نزلت في أناس كانوا كة قد أقروا بالإسلام فكتب إليهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة لما نزلت آية الهجرة أنه لا يقبل منكم إقرار ولا إسلام حتى تهاجروا فخرجوا عامدين إلى المدينة فاتبعهم المشركون فردوهم فنزلت فيهم هذه الآية فكتبوا إليهم أنزلت فيكم آية كذا وكذا فقالوا: نخرج فإن اتبعنا أحد قاتلناه فخرجوا فاتبعهم المشركون فقاتلوهم فمنهم من قتل ومنهم من نجا فأنزل الله تعالى فيهم {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجروا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جاهدوا وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 110].
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال سمعت ابن عمير وغيره يقولون: كان أبو جهل يعذب عمار بن ياسر وأمه ويجعل على عمار درعًا من حديد في اليوم الصائف وطعن في فرج أمه برمح ففي ذلك نزلت {أَحَسِبَ الناس} الخ، وقيل: نزلت في مهجع مولى عمر بن الخطاب قتل ببدر فجزع عليه أبواه وامرأته وقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيد الشهداء مهجع وهو أول من يدعى إلى باب الجنة»، وقيل: نزلت في عياش أخي أبي جهل غدر وعذب ليرتد كما سيأتي خبره إن شاء الله تعالى، وفسر الناس ن نزلت فيهم الآية، وقال الحسن الناس هنا المنافقون.


{وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)}
{وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ} حال من الناس أو من ضمير {يفتنون} [العنكبوت: 2]، وعلى الأول يكون علة لإنكار الحسبان أي أحسبوا ذلك وقد علموا أن سنة الله تعالى على خلافه ولن تجد لسنة الله تعالى تبديلًا، وعلى الثاني بيانًا لأنه لا وجه لتخصيصهم بعدم الافتتان، وحاصله أنه على الأول تنبيه على الخطأ، وعلى الثاني تخطئة، والمراد بالذين من قبلهم المؤمنون أتباع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أصابهم من ضروب الفتن والمحن ما أصابهم فصبروا وعضوا على دينهم بالنواجذ كما يعرب عنه قوله تعالى: {وَكَأَيّن مّن نَّبِىّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ الله وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا استكانوا} [آل عمران: 146] الآيات.
وروى البخاري. وأبو داود. والنسائي عن خباب بن الأرث قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد لقينا من المشركين شدة فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟ فقال: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصدقه ذلك عن دينه» {فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ} أي في قولهم آمنا {وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين} في ذلك؛ والفاء لترتيب ما بعدها على ما يفصح عنه ما قبلها من وقوع الامتحان، واللام واقعة في جواب القسم، والالتفات إلى الاسم الجليل لإدخال الروعة وتربية المهابة، وتكرير الجواب لزيادة التأكيد والتقرير، ويتوهم من الآية حدوث علمه تعالى بالحوادث وهو باطل. وأجيب بأن الحادث تعلق علمه تعالى بالمعدوم بعد حدوثه، وقال ابن المنير: الحق أن علم الله تعالى واحد يتعلق بالموجود زمان وجوده وقبله وبعده على ما هو عليه، وفائدة ذكر العلم هاهنا وإن كان سابقًا على وجود المعلوم التنبيه بالسبب على المسبب وهو الجزاء فكأنه قيل: فوالله ليعلمن بما يشبه الامتحان والاختبار الذين صدقوا في الإيمان الذي أظهروه والذين هم كاذبون فيه مستمرون على الكذب فليجازين كلًا بحسب علمه فيه، وفي معناه ما قاله ابن جني: من أنه من إقامة السبب مقام المسبب، والغرض فيه ليكافئن الله تعالى الذين صدقوا وليكافئن الكاذبين وذلك أن المكافأة على الشيء إنما هي مسببة عن علم، وقال محيي السنة: أي فليظهرن الله تعالى الصادقين من الكاذبين حتى يوجد معلومًا لأن الله تعالى عالم بهم قبل الاختبار.
وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه. وجعفر بن محمد. والزهري رضي الله تعالى عنهم {فَلَيَعْلَمَنَّ} بضم الياء وكسر اللام على أنه مضارع أعلم المنقولة بهمزة التعدية من علم المتعدية إلى واحد وهي التي عنى عرف فيكون الفعل على هذه القراءة متعديًا لاثنين والثاني هنا محذوف أي فليعلمن الله الذين صدقوا منازلهم من الثواب وليعلمن الكاذبين منازلهم من العقاب وذلك في الآخرة، أو الأول محذوف أي فليعلمن الله الناس الذين صدقوا وليعلمنهم الكاذبين أي يشهدهم هؤلاء في الخير وهؤلاء في الشر، والظاهر أن ذلك في الآخرة أيضًا، وقال أبو حيان: في الدنيا والآخرة، وجوز أن يكون ذلك من الإعلام وهو وضع العلامة والسمة فيتعدى لواحد أي يسمهم بعلامة يعرفون بها يوم القيامة كبياض الوجوه وسوادها، وقيل: يسمهم سبحانه بعلامة يعرفون بها في الدنيا كقوله عليه الصلاة والسلام: «من أسر سريرة ألبسه الله تعالى رداءها».
وقرأ الزهري الفعل الأول كما قرأ الجماعة، والفعل الثاني كما قرأ علي كرم الله تعالى وجهه. وجعفر. والزهري رضي الله تعالى عنهم.

1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8